عزيزي يا صاحب الظل الطويل || ومادام معي حبيبي، فماذا يُشقيني؟
عزيزي يا صاحب الظل الطويل..
وددت لو استطعت يومًا أن أشاركك تفاصيلي دون خوفٍ ورهبة، وهذا ما يعجز وهمٌ مثلك أن يقدّمه، ربما شاركتك - وسأظل أشاركك - كثير الهواجس والمشاعر، معتبرةً إياك مستمع لا يعرف ردًا، مُستقبِلًا لا يفهم كيف العطاء يكون، خائفًا مترددًا لا يدرك ما معنى أن يكون لأحدنا ما يُقاتل لأجله، يجهل نفسه وقلبه، ولا يرى إلا ما يرغب في رؤيته..
ولهذا كله سأشاركك دائمًا، لا لأوقظ ضميرك الميّت - إن وُجد - ولا لأزعج هدوءك المزعوم، ولا لأزيد حُرقةً في قلبك
- إن كان لك قلبًا -
لكني أشاركك لأنّي أنا وقلبي وعقلي نحتاج شاهدًا واحدًا على آلامنا وانتصاراتنا وتقلّباتنا، وشخص صامتٌ مثلك ربما يكون نِعم الشاهد، لا ثناء ولا احتفاء، وهذا ما أريده، أريد شاهدًا محتويًا لا محتفيًا..
كما أننا نحب الشعور ومشاركته..
لكنك أبدًا لن تصل لتعرف حقيقتها وما جرّني لها، لأنّي لا أشارك إلا مع أمين الجانب، وأمين الجانب لن يتركني يومًا في حيرةٍ من أمري كما تفعل أنت ككُلّ مرة!!
في حياتي السابقة، رفقة رغدة الصغيرة، تلك الطفلة المُفعمة بالحيوية، تلك الشعلة التي لا تنطفئ، والشغب الذي لا يتوقّف، والشغف الذي لا يفارق قلب مُحبٍ لحبيبه، تلك الثورية، التي تدفع عمرها مقابل تحقيق انتصارًا حقيقيًا واحدًا، وتعشق سقوط الظالم، وقتل الخائن - رغدة تلك التي ظنّت أن الانتصار يجب أن يكون ضخمًا، يشهد عليه كل من يحيط بها من أهل وأصحاب ومعارف، وأن يكون سبقًا صحفيًا تحاول النشرات تبنّيه ونشره على أوسع نقاط..
أما الآن، فأنا كما أنا، ربما ازددت صدقًا، وشغفًا وشغبًا وعشقًا للنصر والحرية والحُب والكرامة والعٍزّة والتضحية والأنَفة، وكل ما يجعل الإنسانَ إنسانًا، لكنّي هذه المرة أحببت تلك الانتصارات الضخمة، لا في أعين الناس، بل في عيناي، لا في قلوب المحيطين، بل في قلبي، تلك الانتصارات التي لا يشهد عليها أحد سواي، أو سوى قِلّة صادقة، قلبًا يفهمني قبل أن يحبّني، رفيقًا يحتوي ضعفي وأحتمي به من شرور نفسي قبل العالم، وأنت.. رغم سوءك وعدم وجودك.. شاهدًا على انتصارات لا تعرفها ولن تعرفها يومًا..
أمّا عن انتصاري اليوم،
شاركت صديقات لي ولأوّل مرة ألمًا أصابني، شاركت ذات الألم سابقًا وأنا أخفي الدمع، ومرة وأنا أذرفه، حاولت مشاركته مرّات لأخرى لكنّي عجزت، لأن قلبي كاد ينفطر..
هذه المرة شاركته بشعور مختلف، وابتسامة، لم يختفِ الألم، لكنّي كنت مطمئنة حدّ المشاركة كما لو أنني أشارك معهم فكرة أو خيالًا، أو قصة رواية ما.. هذه المرة مختلفة عن كل ما سبق..
عزيزي، تعلّمت معنى التسليم، كيف يكون للإنسان القدرة على إخراج كل ما همّه من ضعفه إلى قوّة خالقه، من ضيقه إلى وِسع بارئه..
كيف يكون لعبارة "لعلّه خير" القدرة على تسلية قلبٍ عبثت به نوائب الدنيا، لكنّها دنيا، والدنيا يُستحال أن تكون دون نوائب، ولكنّي إنسان، وكيف يكون الإنسان إنسانًا دون حزن وألم وضيق وعثرة واستياء؟
قالها ربي: {ولقد خلقنا الإنسان في كبد}
وأنا إنسان، خُلقت في كبد، أسير من قدر الله إلى قدر الله، كُتِبَ ما كُتب، وكُلّه - دون استثناء - لي لا عليّ..
لكنّ اللطيف قال: {ورحمتي وسعت كل شيء}
وأنا شيء في ملكوت الله، يُحدِث لي ربّي ما شاء، وكُلّ ما هو من حبيبي، حبيبي.. حاشاه أن يستثنيني من رحمته التي لم تفارقني يومًا..
عزيزي يا صاحب الظل الطويل، لم أرد سؤالك، ولكنّ سؤالًا يلحّ على خاطرتي الآن:
ذاك الذي لا يؤمن بوجود إله، بمن يستعين؟ وعلى من يتّكئ؟ وبمن يستجير؟ وإلى من يلجأ؟
مسكين..
الحمدلله الذي علّمني الاحتياج إليه، وألهمني طريق رضاه رغم أنّي لا أستحق، ولكنّه ربي رحيم لطيف.. حبيب المساكين وطبيب قلوبهم 🤍
كُن بخير، اعلم أن حديثًا بيننا ربما ينقطع، وسأغادر يومًا إلى حبيبي ولن أعود..
ومادام معي حبيبي ربي، فماذا يُشقيني؟
رغدة
