عزيزي يا صاجب الظل الطويل || أنا سعيدة
عزيزي يا صاحب الظل الطويل
أنا سعيدة، ليس لإنجاز كبير، ولا للكثير من الأموال والممتلكات، ولم يحدث أي حدث نوعيّ وجديد في حياتي وأيامي، ولكنّي كلما أدركتُ معيّة الله لي وكيف أنّه سقى قلبي بحُبّه وعلّقني به وبكتابه وبالتأمّل في خلقه وبتحرّي ما يحبّ وترك مالا يحب أشعر بالكثير من السعادة، فأنا أعلم يقينًا بأن هذه الخطوات الصغيرة المتعثرة المليئة بالأخطاء والذنوب والمعاصي ومحاولات الصلا ح والإصلاح ماهي إلا بتيسير من الله وماهي إلا اختيارٌ واصطفاء لا يد للواحد منّا فيه، هي خطوات تحتاج الصدق والمحاولة منّا والكثير من التوكّل لا التّواكل والاعتراف بالضعف والتقصير والدعاء الدائم، ثم يجد الإنسان نفسّه مُحمّل إلى الطاعة بخفّة وحُب واشتياق، بعد أن كان يحمل نفسه إليها حملًا ويجرّ قلبه جرًا، ويدفع بالوساوس وهوى النفس دفعًا وضربًا وبكاء وضعفًا.. وهنا أتذكر قول أحبه للإمام الشاطبي حيث يقول:
"المقصد من وضع الشريعة هو إخراج المكلّف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد لله اضطراراً."
وما هذه المرحلة إلى مرحلة سامية تأتي بعد مكاشفة ومخافتة، بعد كرّ وفرّ، وهذا الكرّ والفرّ لا ينفك عن الإنسان مادام قلبه يخفق ومادام أنّه يحاول، ومادام شياطين الإنس والجنّ وهوى النفس قائمات، ولكنّي هذا الصراع يغلب عليه الهدوء بعد وتهذيب النفس وتدريبها على الطاعة.
ورغم الصعوبات التي تواجه الإنسان في رحلة سيره إلى الله ورغم التعثّر، وقلّة الزاد، والبضاعة المزجى، وطول الأمل، والطغيان، والاستهانة، إلى أنّ الإنسان يأنس بوجود الله يأنس بحبّه ومعرفته وإدراك رحمته ولطفه وحكمته والتسليم له، فأنا مثلا أحب أن أدعو الله وأحادثه دونما تكلّف قائلة: "حبيبي يا الله استودعتك كُلّي، نفسي وعقلي وقلبي وروحي ومن أحبّ وما أحبّ، طموحي وأفكاري أحلامي وآمالي، فألهمني صواب الفكر والقول والفعل، واحفظ يا الله ما استودعتك بحفظك التام وعينك التي لا تنام ولا تريني فيهم مكروهًا يشقيني" وأنا أدرك تماما بأنّ الله ما أُستودع له شيئا إلا حفظه وباركه..
أتذكّر آية جميلة كثيرًا ما تأتي ببالي عندما يتعلّق الأمر بالسعادة المرتبطة بالله وبشريعته التي شرعها لنا لنحيا آمنين مطمئنين حتى نصل الجنة ويُقال فينا" وسيقَ الذين اتقوا ربهم إلى الجنّة زمرا" الآية التي أرت أن أشاركك إياها والتي تعلّمتها من إحدى مشائخي ومعلّميني الخير، الآية: "قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ" أي أن هدى الله وتقواه وطريق الحق هو بالطبخ خير وأبقى مما نجمع من زهر الدنيا الفانية من مال وولد وجاه..
تأمّل الآية يا رعاك الله، تستحق التأمّل بحق، نسير في الدنيا جاهدين مكابدين مقاتلين نلهث خلفها بحثا عن كل ماهو دنيوي، نبكي لخسارات فانية ونتناسى بأن ذاك الإيمان في قلوبنا هو خير مما نجمع وأنفع وأرقى، وهذا لا يعني التخلي عن الدنيا، بل على العكس نحن نعمل ونعمّر في الدنيا ونجمع المال والعلم والجمال ولكن لا ننسى ما خلقنا لأجله ولا ننسى أن هذه الدنيا ماهي إلا معبر ودار مؤقتة نمرّ بها كعابر سبيل يستظل بظل شجرة يرتاح قليلا ثم يواصل رحلته حتى يلقى الله بقلب سليم.
عزيزي يا صاحب الظل الطويل، استودعتك أنت وأحلامك وآمالك لله، كُن بخير وافرح بفضل الله ورحمته وتعلم أن تكون صاحب قلب سليم
رغدة
