عزيزي يا صاحب الظل الطويل || فكرةٍ أضلّتني عنّي
عزيزي يا صاحب الظل الطويل..
منذ ذلك اليوم…
يوم الريبة والخذلان الأكبر، يوم التذبذب وضبابية المشهد، يوم اتّضح لي أن الطمأنينة ربما تكون مجرّد وهمٍ أو خيال نهرب إليه من واقعٍ مرير..
منذ ذلك اليوم لم يعد كل شيء كما كان، ولم أعد أنا، أنا.
منذ ذلك اليوم وكلماتي تنفرُ منّي، والكتابة تهرب، وكأنّي فقدت لغتي التي كنتُ ألوذ بها.
كنتُ فتاة كثيرة التردد، مفرطة التفكير، أخاف التعلّق فيكسرني، وأخاف الأمل فأهرب منه إلى الألم حيث اعتدتُ، وحيث أنتمي.
أملك من الحنان ما يكفي لاحتواء أعاصير المحيطات، لكنّه لا يحتويني.
أبكي قطًّا ضلّ الطريق، ولا أبكيني.
ثمّ حدث أن أمِنت، سلّمت، تأمّلت، احتويت نفسي وبكيتها رأفةً، أن تبكيها للمرة الأولى، وتطمئنها رغم الخوف، ورغم محاولاتك للهروب الذي اعتدته لكنك هذه المرة تجد أن كل طريق تهرب فيه يعود بك إلى نفس النقطة.. هذه المرة لا مهرب من فكرةٍ آمنت بها ولأوّل مرة!
كأنها "روما" كل الطرق تؤدي إليها،
كأنها "الشمس"، كل الكواكب تدور حولها..
ثم فجأة، تفرّ الفكرة، تنقلب الطمأنينة.. وتذهب، وتذهب بنفسك الهانئة معها..
وتعود تلك القديمة، بخوف أشد، وقلق أوسع، وتفكير أعمق وأثقل وأشنع وأكثر قساوة..
فجأة، تكره نفسك. تكره قلبك، وتلعن لحظة تسليمك وأملك الأول..
لأول مرة، تشعر أنك كنت ساذجًا..
تسأل نفسك: كيف لفكرة أن يكون لها كل هذا السلطان عليك؟
كيف لفكرة أن تهزّك بهذا الشكل؟
كيف لفكرة كهذه، بكل ما تحمل، أن تُضعف قلبًا صارعت الدنيا لقوّته؟
أتُراها كانت مجرّد خيال؟ أكذوبة؟
أتُراها كانت لحظة عابرة أُعطيت أكثر من حجمها؟
وإن كانت، فكيف اخترقتني بهذا العمق؟
كيف خُدِعتُ بها؟
وهل يُخدع مثلي؟
يا أسفي على قلبي، وعلى الوقت الذي قضيته وأنا أحميه، ثم جاءت فكرة سطت بسحرها على قلبي… فَلَان دون إذن بين يديها، وهويَ دون حساب.
كانت فكرة، سرقت منّي نفسي، حرمتني لذة حريّتي، وأسرتني في زنازين ضبابيتها..
لا أبكيها، ولا أرثيها، ولا يئن قلبي قائلًا حنانيها،
لكن على الأقل لتُعِد لي نفسي التي أشتاق..
لا غُفِر لفكرة أضلّتني عني.
رغدة
